ابن تيميه

39

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني » ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء . وفي الصحيحين عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال في مرض موته : « لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » يحذّر ما فعلوا ، قالت عائشة : « ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا » « 1 » . وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدا فيتخذ قبره وثنا . وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك ؛ لا يدخل أحد إلى عنده لا لصلاة هناك ولا لتمسّح بالقبر ولا دعاء هناك ، بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد . وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا على النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة لم يستقبلوا القبر . وأما وقوف المسلّم عليه ، فقال أبو حنيفة : يستقبل القبلة أيضا لا يستقبل القبر . وقال أكثر الأئمة : بل يستقبل القبر عند السلام عليه خاصة . ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء ، أي الدعاء الذي يقصده لنفسه ، إلا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك ، ومذهبه بخلافها . واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا يقبّله وهذا كله محافظة على التوحيد « 2 » . فإن من أصول الشرك باللّه اتخاذ القبور مساجد ، كما قال طائفة من السلف في

--> - من طرق : عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده مرفوعا . وله طريق أخرى عن سهل بن أبي سهيل أنه رأى قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فالتزمه وتمسح به ، قال : فحصبني حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ، فقال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : فذكره . أخرجه القاضي إسماعيل في « فضل الصلاة » ( 30 ) وابن أبي شيبة ( 4 / 345 ) وعبد الرزاق ( 3 / 577 / 6694 ) وانظر « تحذير الساجد » ص 95 - 97 . وسيأتي تخريج الأحاديث مرة أخرى في الكتاب . ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1330 ، 1390 ، 4441 ) ومسلم ( 529 ) وغيرهما . ( 2 ) قال العلامة محمد بن سلطان المعصومي الحنفي في كتابه : « المشاهدات المعصومية عند قبر خير البرية » : ويجب على الزائر أن يجتنب لمس الجدار وتقبيله والطواف به والصلاة إليه . قال النووي : لا يجوز أن يطاف بقبره صلى اللّه عليه وسلّم ، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر ، قاله الحليمي وغيره . ويكره مسحه باليد وتقبيله ، ومن ظن أن المسح باليد ونحوه أبلغ فيه البركة ، فهو من جهالته وغفلته ، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع اه . وفي « الإحياء » : مس المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود ويجب اجتناب الانحناء للقبر عند التسليم . قال ابن جماعة : « إنه من البدع المنكرة ، ويظن من لا علم له أنه من شعار التعظيم ، وأقبح منه تقبيل أرض القبر ، فإنه لم يفعله السلف الصالح ، والخير كله في اتباعهم ، وليس عجبي ممن جهل ذلك فارتكبه ، بل عجبي ممن أفتى لتحسينه مع علمه بقبحه ومخالفته لعمل السلف » اه . من كتاب « المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد » لمحمد بن عبد الرحمن الخميس ص 267 .